Blogإصدارات المركزالأخبارتقارير

أفعى أميركا لا تغيّر سمّها… بل تغيّر طريقة نفثه!

مارلين موسى

في كل منعطفٍ تهتزّ فيه خرائط المنطقة، تظهر واشنطن بشخصيات تتقن المشي فوق حواف الأزمات كما تمشي الثعابين فوق الحصى، خفيفة، سريعة، وملأى بالسمّ. لكنّ مورغان أورتاغوس لم تعد مجرد موظفة أو محللة أو ناطقة سابقة، لقد باتت اللسان الأكثر صراحة لمرامي واشنطن، والوجه الذي يضيء بوضوح نياتٍ لطالما حاولت الدبلوماسية الأميركية تغليفها بالحرير. وأوقح ما بخَته مؤخرا هومطالبتها العلنية بقصف تشييع سماحة السيد حسن نصرالله، هذه اللحظة التي راودت فيها أورتاغوس إسرائيل عن نفسها، إلا أن بإسرائيل ثعبنةُ أفتك سمّاً في تقديم التحايا بإنجازاتها، فصرحت برفضها.

هذا التصريح لم يكن سقطة لغوية ولا انفعالًا إعلاميًا، كان كشفًا كاملًا لعمق الدور الأميركي في الحرب الأخيرة، فالأفعى التي لطالما نفخت سمّها بعبارات منمّقة وديباجات سياسية، نطقت أخيرًا بما هو أكثر وضوحًا من كل ما قيل سابقًا: أن واشنطن لم تكن مراقبًا، ولم تكن وسيطًا، بل كانت طرفًا يرى في أي تشييع، وأي حشد، وأي رمز، “هدفًا” في سياق صراع أكبر من لبنان نفسه، وإن الطريقة التي تحدثت بها أورتاغوس لم تعبّر فقط عن موقف فردي، بل عن نزعة متجذرة في العقل السياسي الأميركي: نزعة ترى أن المواجهة مع المقاومة يجب أن تُدار بلا خطوط حمراء، وأن الضغط العسكري يمكن أن يتحوّل إلى ضغط سياسي حين تنتهي المعارك، وهنا يظهر الترابط بين دعوة القصف وبين محاولات واشنطن اليوم دفع لبنان نحو تفاوض مدني عسكري، وكأنها تريد صياغة مرحلة جديدة وفق مقاس مصالحها وحدها، وإن ارتداء إسرائيل ثوب العفاف وتوضؤها بمياه الرفض لقصف التشييع، يأتي مرفقاً بمسبحة  التمثيل المدني الجديد ..

ولأن أورتاغوس ليست مجرد صوت إعلامي، فإن كلماتها تعكس ذهنية أميركية تعتبر أن لبنان ساحة يجب إعادة تشكيلها عند كل محطة مفصلية. فبين التحريض العلني على استهداف التشييع، وبين الدفع السياسي لإعادة توزيع مراكز القوى في الداخل اللبناني، يتجلى المشهد كاملاً بأن “أفعى أميركا لا تغيّر سمّها… بل تغيّر طريقة نفثه”

فالحديث الأميركي المتكرر عن “إعادة التوازن” و”إنقاذ الدولة” و”الانتقال السياسي”، لا يمكن فصله عن لحظة الاعتراف التي قدمتها أورتاغوس دون مواربة، فكيف يمكن لمن لم يرَ في وداع رمزٍ شعبي، وقائد أممي اجتمعت شعوب العالم بأديانها ومذاهبها وعرقها ولونها على دمعة في حضرته إلا “هدفًا قابلاً للاستهداف”، يحقق نشوة الأفعة وحرّاس وكرها، أن يقدّم نفسه اليوم كصاحب مشروع إصلاحي أو كحامل لخطط إنقاذ؟ وكيف يمكن للجهة التي شاركت في تأجيج الحرب أن تصبح فجأة راعية للحل؟

ففي النهاية إن واشنطن بشخص أورتاغوس  قالت ما كانت تخفيه طويلاً: أنها ترى لبنان من زاوية استراتيجية بحتة، وأنها مستعدة للضغط بكل الأدوات، من الخطاب إلى السياسة، لإعادة رسم اتجاهاته. لكنّها تتجاهل دائمًا أن لبنان ليس فراغًا سياسيًا، ولا مساحة رخوة، بل بلد صنع معادلاته بيده في وسط مشرق ابتلعته التطبيعات والمساومات، فاليد التي ضغطت على زناد الجُرم ليست مصلحة، وكل من صافحها ملوثٌ بدماء جرمها، فليس كل مرتدي ثوباً أبيض حمام السلام، قد يكون ناصعاً بعباءته رديئاً بنفسه، وليس يا لبناننا كل ذي صفح سليمُ الكفّ نظيفاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى