Blogإصدارات المركزالأخبارتقاريرسياسة

كُشِفَ الغطاء، وبيضّ شعرُ العراق !

مارلين موسى

لم يكن القرار الذي ظهر أمس عن الحكومة العراقية، والقاضي بإدراج حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله في اليمن ضمن لائحة الإرهاب، مجرد ورقة تسلّلت من مكتب رسمي بالخطأ ثم اختفت باعتذار مرتبك. فالأوراق التي تحمل أسماء بهذا الثقل لا تُكتب على عجل، ولا يتم إدراجها في قوائم حساسة من دون إرادة سياسية، مهما حاولت البيانات اللاحقة تبريرها بعبارات “النسخة غير المنقّحة” أو “الخطأ الفني” أو “التسرّب غير المقصود”. ما حدث كان كاشفاً، لا في مضمون القرار نفسه، بل في ما يقف خلفه من مسارات تزدحم بالتدخلات والضغوط والإرتباطات التي تشكّل جزءاً من الصراع الحقيقي على هوية العراق واتجاهات قراره السيادي، بين قوة داخلية صلبة نشأت من تضحيات الشعب وقواه المقاومة، وبين طبقة سياسية لا تزال تتعامل مع الدولة كجسر يربطها بالخارج أكثر مما يربطها بالناس الذين يمثلون روح العراق وتاريخه.

فور انتشار القرار، ارتفعت موجة غضب واسعة، لم تكن دفاعاً عن حزب أو جماعة بقدر ما كانت رفضاً لإقحام العراق في لعبة تصنيفات أميركية لا تمتّ لخصوصيته ولا لتجربته التاريخية بصلة. الجماهير التي قاومت الاحتلال، والتي احتضنت الحشد الشعبي حين كان يقاتل داعش ويعيد ترميم الدولة، ليست من النوع الذي يسمح بتمرير مثل هذه القرارات وكأنها شؤون بروتوكولية. العراق الذي صمد بدماء أبنائه في أشد اللحظات قسوة لا يمكن التعامل معه كمساحة اختبار لإرضاء سفارة هنا أو جهة هناك. لذلك بدا التراجع السريع عن القرار اعترافاً بأن ما جرى لم يكن “خطأ إدارياً” بل “خطأً في قراءة العراق”، فمن  السذاجة الإعتقاد بأن موظفاً عابراً يمكنه إدراج حزب الله وأنصار الله في لائحة إرهاب دون توجيه أو تغطية. هذه ليست أسماء عابرة، ولا تنظيمات هامشية، بل جهات لها حضور استراتيجي في معادلات المنطقة كلها وهذه ليست أسماء وتذكر بل رموز مقاومة مقدسة. ولهذا السبب، بدا المشهد وكأنه محاولة لقياس حدود الضغط الأميركي ومدى استعداد بعض الأطراف المحلية للتماهي مع التصنيفات التي تستخدمها واشنطن لإعادة تعريف الأمن والسياسة وفق رؤيتها. ولم يكن غريباً أن يذكّر كثيرون بأن السلطة التي أشرفت على محاكمة وإعدام صدام حسين تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة، هي نفسها بالمعنى السياسي العميق تحاول اليوم إعادة إنتاج مفهوم “العدو” و”الصديق” وفق تعبيرات جديدة، لكن بروح قديمة. فالمنطق الذي حكم تلك المرحلة لم يُلغَ بل تغيّرت أدواته، ومن يحاول اليوم إعدام المقاومة سياسياً هو نفسه صاحب العقلية التي أعدمت صدام رمزياً وسياسياً قبل أن تُعدمه جسدياً.

ولا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن واقع الهيمنة الأميركية القائمة على مفاصل القرار المالي في العراق. فمنذ سنوات، بات البنك الفيدرالي الأميركي يتحكّم بحركة الدولار وعائدات النفط العراقية، إذ لا يدخل دولار واحد إلى السوق من دون المرور عبر بوابته، ما يعني رقابة كاملة على التحويلات، وابتزازاً مالياً مقنّعاً تحت ذرائع الإمتثال. ولأن المال هو العمود الفقري للسيادة، فإن هذه السيطرة المالية تحوّلت إلى أداة سياسية نافذة، تجعل من أي قرار حكومي خاضعاً لسؤال واحد: هل يمرّ في حسابات واشنطن أم لا؟ وعليه، يصبح إدراج حزب الله أو أنصار الله في قائمة إرهاب عراقية قراراً لا يمكن عزله عن معادلة الضغط الاقتصادي، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: “إطاعة القرارات الأميركية شرط للسيولة، والاعتراض عليها ثمنه التضييق”.

في مقابل كل ذلك، يبقى الحشد الشعبي والقوى الشعبية العراقية خارج هذه اللعبة تماماً. فهؤلاء لم يصنعوا حضورهم من مكاتب الساسة، ولا من حسابات الدولار، بل من الميدان، من لحظة كان العراق فيها على حافة الانهيار. هذه القوى ليست من تلك الطبقة التي ترتعش أمام السفارات أو تغيّر مواقفها بتغيّر المزاج الدولي. ولذلك شكّل القرار صدمة واسعة، لأن العراقيين يعرفون أن استهداف رموز المقاومة ليس سوى محاولة لضرب العمود الذي يحمل توازن الدولة، ومحاولة لإعادة العراق إلى زمن كان فيه يُدار من الخارج وتُكتب قراراته في غرف ليست عراقية، وإن التراجع عن القرار لا يعني انتهاء القصة. بل على العكس، ربما يكون بداية القصة الحقيقية مع طبقة تحاول إعادة تموضعها وفق مصالح لا تشبه مصالح الشعب، وهذا ما يجعل الحادثة أكبر من ورقة وأكبر من خطأ. إنها علامة على أنّ العراق ما زال ساحة شدّ بين مشروعين: مشروع يريد للعراق أن يبقى دولة ذات هوية مقاومة، حرة، مستقلة القرار، ومشروع آخر يريد له أن يكون تابعاً لخطط تُصاغ بعيداً عن حدوده وكرامته وقراره الشعب.

وفي النهاية إن السلطة التي تظن أنها قادرة على هندسة هوية العراقيين ببيان مسرَّب، تُخطئ فهم البلد، فالعراق الذي يصرّ الأميركي على التحكم بعائداته النفطية من بوابة الفيدرالي الأميركي، ويضغط عليه بالدولار، هو نفسه العراق الذي كسر أنياب داعش من دون أن ينتظر إذناً من أحد، العراق ليس دولة تصنعها اللجان، بل أمة يصنعها الدم حين تهتزّ الأرض، ومن يحاول اليوم إعادة تشكيله وفق مزاج الغرف المظلمة، سيرى أن بغداد ليست مدينة تُدار من الخارج، بل عاصمة إذا غضبت غيّرت خرائط المنطقة، وتذكروا جيدا الحبل الذي عقد ب 39 عقدة هو نفسه الذي يعقد خطوط التضليل اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى