المسروق لبناني والسارق إسرائيلي، والكشري مصري.. لذلك فالتجسس طاقوي!
مارلين موسى
كُتب بتاريخ 29\12\2025
الغاز اللبناني يخرج من باطن البحر، يمر عبر خطوط إسرائيلية، يُباع إلى مصر، ثم تُوقع القاهرة مذكرة لتزويد لبنان بالغاز نفسه، لو كانت السياسة مسرحاً، لكانت هذه أكثر مشاهد العبثية سخافةً في الشرق الأوسط. لكن الواقع أقسى من المسرح؛ فهو شبكة نفوذ مقنّعة بالصفقات الإقتصادية، حيث كل طرف يتصرف وكأنه يحمي مصالح الآخرين، بينما في الحقيقة يُعيد ترتيب السيطرة وفق مصلحته الخاصة. في قلب هذا العبث، مصر، الدولة العربية الكبرى التي كانت رمزاً للإكتفاء الذاتي في الطاقة، أصبحت زبوناً رئيسياً للغاز الإسرائيلي من حقول مثل ليفياثان وكاريش، الصفقة التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار لتوريد 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، وُصفت رسمياً بأنها “تجارية بحتة”، لكنها عملياً تحوّل القاهرة إلى وسيط لإعادة توزيع الغاز الإسرائيلي على المنطقة، بما فيها لبنان. والأدهى، أن حقل كاريش اللبناني، “المتنازع عليه”، يضيف طبقة إضافية من التعقيد: الغاز الذي تستخرجه إسرائيل من هذا الحقل، جزء منه هو المصدر الفعلي للغاز المصري الذي يُعاد تقديمه إلى لبنان. بمعنى آخر، لبنان يشتري غازه الذي تسرقه إسرائيل عفواً تستخرجه من أعماق بحره وهذه المرة اُختيرت مصر لتكون الغسَالة لتنظيف تلك السرقة، هذه اللعبة البيانية، لو رسمناها على الورق، تشبه دوامة العودة الذاتية: الغاز يخرج من لبنان — يدخل إسرائيل — يذهب إلى مصر — يُعاد إلى لبنان، هل هذا تخميس للغاز المنهوب ليُشرّع مثلاً! أو عذراً يجوز أن نسميه “تزكية السرقة”! السخرية هنا ليست مجرد ألفاظ، بل تعكس واقعاً إستخبارياً وإستراتيجياً: الدول العربية الكبرى، التي كانت تصنع سيادتها على مواردها، أصبحت مضطرة لممارسة سياسة الطاقة عبر وسطاء لا يخفون نفوذهم الإقليمي. الغاز لم يعد سلعة فقط، بل أداة ضغط، ورمز للسيطرة غير المباشرة، ومرآة لتوازنات القوة الملتوية في المنطقة، فمصر كانت قادرة على إنتاج الغاز وتشغيل محطات الكهرباء من مواردها، لكنها اليوم تربط أمنها القومي بالغاز الإسرائيلي، وتقوم بدور وسيط لتصدير الغاز نفسه إلى لبنان، الذي يبحث عن حل لأزمة الكهرباء. هذا التحوّل ليس مجرد إعتماد إقتصادي، بل إعادة ترتيب إستراتيجي للنفوذ الإقليمي، حيث إسرائيل تتحكم بالمفاصل، ومصر تبدو وكأنها “فاعل الخير” الذي يعيد الغاز إلى لبنان. وإذا ما أردنا ترتيب الأبعاد الإستراتيجية لهذا المشهد وسلسلتها فإنها تُطرح على الشكل التالي:
أولاً: تآكل سيادة مصر في قطاع الطاقة، وتحولها إلى زبون أساسي للغاز الإسرائيلي، بينما تلعب دور الوسيط.
ثانياً: إعادة دمج إسرائيل في منظومة الطاقة العربية، بوساطة القاهرة، ما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مباشر على الدول العربية.
ثالثاً: لبنان يدخل شبكة الإعتماد على الغاز الإسرائيلي بشكل غير مباشر، حتى عندما يبدو أن الغاز يأتي من مصر.
رابعاً: الغاز يتحول من سلعة إلى أداة سياسية وإستراتيجية للضغط الإقليمي، حتى على من يظنون أنهم يتحكمون فيه.
هنا تبرز المعضلة التي يجري القفز فوقها عمدًا: كيف سيصل الغاز فعليًا إلى لبنان؟
هل نتحدّث عن غاز يُضخّ عبر البحر؟ أم عبر شبكة أنابيب برّية؟ وإذا كان الخيار الثاني هو المرجّح تقنيًا واقتصاديًا، فالسؤال يصبح أكثر إحراجًا: من أين ستمرّ هذه الأنابيب؟ الواقع الجغرافي لا يترك مجالًا للمناورة، أي مسار بري لإمداد لبنان بالغاز القادم من مصر يفترض العبور عبر فلسطين المحتلّة أو عبر بنية تحتية خاضعة لإسرائيل، قبل الدخول إلى الأردن فسوريا وصولًا إلى لبنان، أو المرور مباشرة عبر شبكات إقليمية تشرف عليها تل أبيب، وهذا يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة السيادية: من سيكون المشغّل الفعلي لهذه الأنابيب؟ من يراقب الكميات؟ من يتحكّم بالصمّامات؟ ومن يملك قرار الضخّ أو القطع؟ إذا كانت مصر تستورد أصلًا جزءًا كبيرًا من الغاز من إسرائيل، وخصوصًا من حقول كاريش وليفياثان، فإن الحديث عن “غاز مصري للبنان” يصبح توصيفًا سياسيًا لا تقنيًا. فالإمدادات، في هذه الحالة، تمرّ حكماً عبر منظومة طاقة إقليمية تتحكّم بها إسرائيل، سواء على مستوى المصدر أو العبور أو الإشراف التقني، والأخطر أن أي ترتيب من هذا النوع سيحتاج إلى آلية تشغيل ثانية، واتفاقات فنية وأمنية جديدة، ما يعني عمليًا إدخال لبنان في شبكة مراقبة طاقوية خارج سيادته، تُدار من أطراف غير لبنانية، وربما غير عربية، وهنا لا يعود السؤال اقتصاديًا أو تقنيًا، بل يتحوّل إلى سؤال سيادي بامتياز: هل نبحث عن كهرباء بأي ثمن، أم نقبل بإعادة هندسة أمن الطاقة اللبناني تحت إشراف غير معلن؟
وتعقيباً على كل هذه التساؤلات والتحليلات، شهدت أسواق الغاز الأوروبية قفزة حادة بنحو 3% في أسعار الوقود الأزرق، في تداولات الإثنين الأخيرة، ما يعكس حالة من التوتر والإرتباك في سلسلة إمدادات الطاقة العالمية، هذا الصعود ليس حدثًا عشوائيًا، بل جزء من شبكة مترابطة من العوامل الإقليمية والدولية. أولاً، تعتمد أوروبا بشكل متزايد على الغاز الطبيعي المسال المستورد من حوض شرق المتوسط، بما في ذلك مصر، التي أصبحت اليوم زبونًا رئيسيًا للغاز الإسرائيلي من حقول مثل ليفياثان وكاريش. أي اضطراب في هذه الإمدادات سواء من التأخير في الإنتاج، أو النزاعات البحرية، أو العقبات اللوجستية في نقل الغاز عبر شبكات الأنابيب أو محطات الإسالة ينعكس مباشرة على أسعار الغاز الأوروبية. ثانيًا، التوترات الإقليمية حول حقوق الغاز في حقل كاريش اللبناني تضيف عنصراً إضافياً في الشبكة. أي شبهة تقاطع مصالح أو نزاع على الحدود البحرية قد يعيق ضخ الغاز إلى مصر، وبالتالي إلى الأسواق العالمية، ما يخلق تأثيرًا متسلسلًا على الأسعار الدولية. ثالثًا، هناك تأثير مباشر لاعتماد لبنان على الغاز المصري، الذي أصله في الغالب إسرائيلي. أي انقطاع أو تأخير في التوزيع سيؤثر على الطلب الإقليمي، ويزيد الضغوط على أسعار الغاز في أوروبا باعتبارها جزءًا من سلسلة الإستهلاك العالمي، مما يعني أن صعود أسعار الغاز في أوروبا اليوم ليس مجرد حركة سوقية محلية، بل انعكاس لشبكة مترابطة من الإنتاج الإسرائيلي، والاعتماد المصري، والتحديات اللبنانية، والضغط على الأسواق العالمية، بمعنى آخر كل انخفاض أو تأخير في شرق المتوسط يترجم فورًا إلى قفزات في الأسعار الأوروبية، ما يجعل أزمة الغاز الإقليمية أحد عناصر الاستقرار أو الزعزعة الإقتصادية على المستوى العالمي.
في هذه الدوامة الساخرة، ما يبدو مشروع تعاون عربي عربي، هو في الواقع شبكة نفوذ إسرائيلية مقنّعة بالصفقات الإقتصادية، الغاز الذي يشتريه لبنان من القاهرة هو نفسه الغاز الذي خرج من أرضه، يمر عبر إسرائيل، ثم يعود إليه، هذا ليس مجرد عبث، بل تعبير صارخ عن تآكل السيادة في المنطقة وتحويل الموارد إلى أداة إستراتيجيّة لإعادة رسم النفوذ الإقليمي، لذلك وعلى ما يبدو المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الإعتماد على الغاز الإسرائيلي، مع إستمرار مصر كوسيط، وربما تورط لبنان في شبكة التبعية نفسها، الخيار أمام الدول العربية لم يعد مجرد تأمين الطاقة، بل حماية سيادتها الإقتصادية والسياسية من شبكة نفوذ تتجاوز الحدود التقليدية، فالغاز العربي لم يعد سلعة فقط بل سلاح سياسي وإستراتيجي، والإعتماد على إسرائيل حتى بشكل غير مباشر قد يكون بداية لطبيعة جديدة من التبعية العربية في ملفات الطاقة الحيوية، حيث تسخر اللعبة من أصحابها قبل أن يستفيدوا منها.



