- مارلين موسى
ها هي اللغةُ السياسيةُ تعيدُ ضبطَ قوافيها، من شطرٍ على طريقِ القدس إلى شطرِ فداءٍ للبنان وشعبه، تبدّلٌ في مفرداتِ الخطاب، بل تمدّدٌ عميقٌ في معجمِ المرحلةِ نفسِها، كأنّ الكلمات تُعادُ سبكُها في أتونٍ أشدَّ حرارةً من نظرياتِ الصراعِ وخرائطِ النفوذ، فتتقدّمُ الهويةُ الوطنيةُ من خلفِ الستار إلى صدرِ الرواية، ويعودُ الوطنُ ليكونَ موضوعَ الجملةِ كما كان دائما ولكن هذه المرة دون أجنحة، اتجهت السردية من حدود المدينة إلى عتباتِ البيت، والمسافاتُ تقلصت بين الصوتِ والشارع، وبين الشعارِ والوجدان، وتنبسطُ أمام الفكرةِ خريطةٌ جديدةٌ تعيدُ ترتيبَ الأولويات بلا صخب، وكأنّ المرحلةَ كلّها تعلنُ أنّ الفداء يبدأ من هنا من لبنان من المقاومة من وجودها من مكان تواجدها من رقعة حملت دماءها وأشلاء أبنائها ..
حزبُ الله يقود مرحلةَ التحوّل التي هَبَّت على الإقليم بأسره، مرحلةٌ اختلطت فيها خرائطُ النفوذ بخرائطِ البقاء، وسقطت على المنطقة كريحٍ تعيد ترتيب الموازين لا على خطوط الجغرافية وحدها، بل على خطوط الوجود السياسي والأمني. لم يفلت من يد الحزب ذلك الخيطُ المتين من الهيمنة الرمزية والعملية، فهو ما زال موضع الارتكاز الأخير في بلاد الشام؛ القلبُ الذي لم يتوقّف عن الخفقان القومي مهما تبدّلت رياحُ الإقليم أو تبدّلت تحالفاته، لكنّ المشهد تغيّر: فالأمنُ الوجودي والوطني تفوّق اليوم على الشعارات الكبرى، لا تراجعاً عنها، بل لأن الزمن الإقليمي دخل مرحلةً لا ينفع فيها إلّا من يملك “عصا” يضرب بها، ويملك من المنعة ما يسمح له بفرض وجوده قبل فرض خطابه.
وفي هذا المشهد، يظهر حزبُ الله كالمحطّة الوحيدة المتبقية للعبور إلى عمق المشرق بعد أن كسر الهلال الإيراني تحت ضربات الصراع المفتوح، وتوزّعت مكوناته بين ساحاتٍ غدرت من الداخل قبل الخارج، فمن هنا يبرز السؤال الذي ينتقل من الهمس إلى العلن: هل يسعى حزب الله إلى بناء جسر عبور جديد بقدرٍ أكبر من الحنكة وأقلّ من المغامرة؟ جسرٌ يربط ما تبقّى من المحورٍ بواقعٍ لبناني يطلب الاستقرار، ويجمع بين ضرورة حماية الداخل وضرورة تثبيت موطئ قدم في معادلات الإقليم؟ فإنّ مؤشّرات المرحلة توحي بأنّ الحزب يعيد تركيب علاقته بالمشهد الإقليمي على قاعدة “النفوذ المحسوب”، لا النفوذ المطلق ومن هنا بدّل ميزان تضحياته لترجح الكفة إلى لبنان وشعبه، فبدأ ترتيب الهرم بعد تعافيه هيكليا إلى أنّ لبنان ليس ساحةً تنفتح على الخارج، بل نقطةَ ثقلٍ يعاد عبرها ضبط اتجاهات الريح في المنطقة، وهذا مع إبقاء شراع حزب الله عاليا فوق سفينة النجاة.
ف”هندسة الدور” الجديدة التي يسعى الحزب لبلورتها هي دورٌ يحمي الداخل بتوازن الردع، ويحمي نفوذه الإقليمي بمنطقٍ لا يسمح بانزلاق لبنان ولا يسمح في الوقت نفسه بتآكل موقعه، ففي موازاة التحوّل في الخطاب، استعاد حزبُ الله جزءاً من نشاطه العسكري،ليس بهدف توسيع رقعة القتال، بل لإعادة تثبيت حضوره ضمن معادلة الأمن الإقليمي التي تتهشّم أمام أعين الجميع. فالحزب يدرك أن الوقت لم يعد زمن الشعارات المعلّقة في الهواء، وأنّ ميزان القوى في الشرق الأوسط يُعاد رسمه على قاعدة “من يملك القدرة على فرض الردع يملك مقعده على الطاولة”. ومن هنا، جاءت عودته إلى نشاطٍ محسوب بدقة، لا على شكل انفلاش عسكري، بل كإشارات مدروسة تحفظ له موقعه داخل معادلة تتغيّر بسرعة.
فبين الجنوب اللبناني وحدود فلسطين المحتلّة، باتت الحركة العسكرية للحزب جزءاً من سياسة “تثبيت الوزن”، لا سياسة “تعديل المسار”؛ أي أنّها رسائل باردة في ظاهرها لكنها ساخنة بما يكفي لمنع الآخرين من التعامل مع الساحة اللبنانية كفراغ. ومع سقوط جزء من الهلال الإيراني وتراجع نفوذ بعض حلفائه، تبدو هذه الإشارات بمثابة إعادة وصل لمراكز القوى عبر لبنان، الذي يتحوّل تدريجياً إلى نقطة التوازن الأخيرة في محورٍ تتوزّع خرائطه بين الانكماش والتموضع.
وهكذا، يعود المشهد إلى جوهره: ليس تبديلُ الشعارات مجرّد تغييرٍ في لافتةٍ تُرفع، بل إعادةُ ترسيمٍ لمرحلةٍ تتقدّم فيها ضروراتُ الوجود على أناشيد العقيدة، ويتحوّل فيها الشعار من “الدفاع عن القدس” إلى “الفداء للبنان” بوصفه انعكاساً لتزاحم الأولويات على رقعة إقليمٍ يتبدّل كل يوم. إنّ هذا التحوّل ليس انكفاءً ولا قفزاً فوق التاريخ، بل إقرارٌ بأنّ الحزب يقف على حافة منعطفٍ استراتيجي يسعى بأن يمسك بجسر العبور الجديد، بعدما انكسر القديم وتبعثرت خرائطه، وهذا أخير الأدلة على أنه كلما قست الضربة كلما علت معها أسقف التعافي، فالمقاومةُ التي تُستهدف لتتراجع، تُفاجِئهم دائماً بأنها لا تتقن إلّا فنّ العودة، وبقوّةٍ أكبر وبتموضعٍ أذكى.



